ملحمة گلگامش نثرا

بقلم: الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
جامعة جدارا/ الأردن

مقدمة
قد اغيض العلاّمة طه باقر وقرّاء ترجمته المنقحة لملحمة گلگامش إن قلت بأنني اتفق مع عدد من الباحثين والنقاد في القرن الحادي والعشرين على أن ملحمة گلگامش ليست ملحمة بالمفهوم الدقيق، وإن كانت بنيتها شعرا مرسلا أو منثورا، كالشعر الذي نقرأه في مسرحيات شكسبير، لأنها لا تحكي قصة شعب ورموزه أيام السلم أو الحرب، أو كلاهما، بحيث تـُعد رمزا وطنيا، بل هي قصة بطل نـُظمت شعرا لأن الثقافة التي انجبتها كانت تفتقر إلى مفهوم الملحمة وحتـّمت ترديدها غناء أو ترتيلا في المناسبات، ومنها أعياد أكيتو. وبعيدا عن البنيوية التي يلجأ إليها الاستاذ طه باقر في تقريبه لگلگامش من ملاحم عالمية، أرى بأن ملحمة گلگامش ليست أكثر من قصة بطل خارق يصارع الأقوياء ويتغنى بأمجاده ويسعى إلى الخلود، من جهة، والموت، من جهة ثانية، بينما تخونه الأقدار في نهاية سلسلة بطولاته فيضحى إنسانا في مهب الريح. لست هنا في معرض نقد عمل المترجم، وإنما نقد تسميتها بـ "الملحمة"، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار اقحام قصة الطوفان البابلية فيها ، كما هو واضح في اللوح الحادي عشر، وانتهاء حكاية اللوح الثاني عشر بشكل مفاجىء، مما اخرجها عن السياق القصصي التقليدي، ناهيك عن الملحمي البطولي، إضافة إلى ما ورد في اعلاه.

 الملحمة كما ترجمها الاستاذ طه باقر بحرفية عالية إلى العربية عن النصوص المسمارية الأكدية مباشرة بعد أثنتي عشر سنة من ترجمته (الحـَرفية) المشتركة (سنة 1950) مع السيد بشير فرنسيس لترجمتين انكليزيتين صادرتين سنة 1946وسنة 1950 منشورة على موقع ايلاف (الرابط في أدناه)، أي أن عمر النص المترجم شخصيا عن النصوص المسمارية يناهز نصف قرن تقريبا. قرأت هذا النص العربي عدة مرات، ولكن عندما قرأت النصوص الانكليزية المترجمة حديثا، شعرا ونثرا، عن النصوص الأصلية المودعة في المتحف البريطاني، شعرت بأن النثر يتفوق على الشعر في حبكة القصة وخيوطها، وإن كنت قد ترجمت ملحمة عربية إلى الشعر الانكليزي قبل بضع سنوات. ورغم انحيازي إلى الشعر ورواج ملحمة  گلگامش (جلجامش) بهذه التسمية بين قراء العربية، قررت أن اصيغ القصة بأسلوب روائي مبسط على شكل حلقات، حسبما جاء في الالواح الطينية الاثني عشر، دون الدمج بين لوح وآخر، معتمدا على ترجمة الاستاذ طه باقر العربية والتراجم والادبيات الانكليزية الحديثة. وفي سردي القصصي المتسلسل، سأضطر إلى قبول تسميتها بـ "ملحمة" تماشيا مع شهرتها، على غرار الملحمتين اللتين سبقتا كلكامش زمنيا، وهي ملحمة "إيزدوبار"، الرواية الكلدانية في شأن الخلق والطوفان، التي تغير اسم بطلها إلى "أتراخاسيس" (بمعنى حكيم الحكماء) سنة  1899(أي بعد ربع قرن من تسميتها بالأسم الاول)، وهي منقوشة باللغة الأكدية على ثلاثة ألواح طينية متضررة ومحفوظة في المتحف البريطاني (حالها حال كل مكتبة آشور بانيبال)، ومن بينها النسختين البابلية والآشورية. وما قصة الطوفان المكتوبة على اللوح الحادي عشر في ملحمة گلگامش ، أو في التوراة (العهد القديم) والحضارات المتعاقبة، إلا صورة عن مثيلتها في اللوح الثالث للرواية الكلدانية في الخلق (كما تفيدنا بعض المصادر). أما الثانية، فهي ملحمة "إينوما إيليش" المنقوشة باللغة الأكدية بما يقارب ألف بيت شعري على سبعة ألواح طينية وتحكي لنا ايضا قصة الخلق البابلية التي يعتقد بانها جزء لا يتجزأ من سابقتها، أي أننا في حضرة قصة خلق وفلسفة بابلية واحدة (بضمنها الطوفان). وبسبب غياب حقوق الملكية الفكرية وتفشي ظاهرة النسخ الحر التي ورثناها عن العالم القديم، يتعذر على الباحث نسب أي عمل فكري وتسميته، خاصة إذا تعددت المسميات والنسخ، إلى كاتبه الأصلي أو الأمة والفترة اللتين انجبتاه بدقة، ولكن لا مفر من القبول بما حلّ بين ايدينا من كنوز الماضي، أيا كانت التسميات والأزمان. وقصة كلكامش ليست استثناء، إذ تقدر الفترة الزمنية بين ظهور أول اشعار سومرية قصيرة، المسماة بـ "قصائد بيل كامس (جامس)"، مرورا بملحمة الخلق البابلية بنسختيها، وبين كتابة ملحمة گلگامش، بشكلها المتطور والكامل، التي سنرويها قريبا جدا، قرابة 1300 سنة، أي بين بداية الالف الثاني ق.م. والقرن السابع ق.م.

 

http://www.a-olaf.com/home/viewtopic.php?f=17&t=534&sid=d7b1148cbd9898440acfcf06d059ce0a