اشكالیة الحالة التدریسیة للغات العراقیة في المدارس والجامعات العراقیة

الأستاذ الدكتور دنحا طوبیا كوركیس
جامعة جدارا/ الأردن
وإن تطلع المتحمسون في شأن الثقافة العراقیة الجامعة، التي یتبوأ تعلیم اللغات الوطنیة صدارتھا، إلى تفعیل ما
كان مقررا على مستوى تشریعات الدولة قبل اكثر من ثلاثة عقود وترجمتھ على أرض الواقع، إلا أننا نرى بأن
ھذه الترجمة متعثرة. وقبل الخوض في اشكالیة الواقع المعاش، على القارىء العربي أن یعي تماما خصوصیة
المجتمع العراقي وتاریخ أقوامھ وحضارتھم التي تمتد لأكثر من ٧٠٠٠ سنة كي لا یخرج باستنتاجات خاطئة.
وإن أشرت بعض الشىء إلى التاریخ في أدناه، فالمقالة التي بین یدي القارىء لیست تاریخیة أو حتى سیاسیة،
وإنما تعبیر عن حالة إنسانیة قبل أن تكون وطنیة، رغم علمنا أن الوطن للجمیع. دعونا أولا أن نتعرف على
اللغات العراقیة، وبما یتناسب والحجم تنازلیا بشكل عام، واشكالات التسمیات قبل الخوض في اشكالات
تدریسھا:
١. اللغة العربیة
٢. اللغة الكردیة
٣. اللغة التركمانیة
٤. اللغة السریانیة
٥. اللغة المندائیة
٦. اللغة الأرمنیة
إن معظم العراقیین الذین یتكلمون بلغاتھم القومیة، أي لغة الأم، یتقنون العربیة بدرجات متفاوتة، وبضمنھم
كاتب ھذه المقالة، علما أن الكثیرین من مثقفیھم أكثر فصاحة وبلاغة من العرب أنفسھم، والشواھد لا تحصى،
بسبب سیادة اللغة العربیة لقرون طویلة على حساب اللغات العراقیة الأخرى. وقد جاء قرار منظمة الیونسكو
في سنة ٢٠٠٨ بتحدید الحادي والعشرین من شھر شباط یوما للغة الأم متأخرا جدا بعد أن قطعت سیاسة
التعریب أشواطا لا یحسد علیھا، مع اعتزازنا بالعربیة، ولرأب الصدع الذي طال بنیة الثقافة العراقیة لعقود، أو
بالأحرى قرون خلت، جاء في المادة الرابعة من الدستور العراقي الحالي بأن لغة الدولة الرسمیة ھي العربیة،
وتكون الكردیة إلى جانب العربیة في إقلیم كردستان ولدى الحكومة الاتحادیة رسمیة أیضا. ومن ھنا جاءت
دعوة الكورد بإضافة الكردیة إلى جواز السفرالعراقي مؤخرا. كما ینص الدستور على اتخاذ أیة لغة محلیة
أخرى، إضافة إلى ما سبق، لغة رسمیة في الأقالیم أو المحافظات إذا أجمعت غالبیة سكانھا على ذلك باستفتاء
عام. وھذه، حسب اعتقادي، اشكالیة دستوریة بحد ذاتھا، وإن كانت خطوة ایجابیة بطبیعة الحال. لذلك ھنالك
من یطلب أن تكون كل اللغات العراقیة الحیة لغات رسمیة ینص علیھا الدستور صراحة (أنظر حمید كشكولي/
٢٠٠٥ )، مثلا. وبعیدا عن القرار السیاسي، یمكننا تبني مقترح /٨/ الحوار المتمدن/ العدد ١٢٨٦ بتاریخ ١٤
الدكتور احمد جواد العنابي (المنشور في جریدة الصباح)، الذي یقضي بإنشاء مجمع لغوي عراقي لغایات
علمیة بحتة. إذن أین المشكلة، وما أبعادھا؟
المشكلة لا تكمن في الاعتراف بالھویة القومیة واللغة المرتبطة بھا دستوریا، وإنما في التفاصیل والممارسات
على الأرض. دعونا نبدأ بمفھوم "اللغة". فالعربیة إثنان: الفصیحة واللھجة العراقیة التي تتمیزبلكانتھا
الأساسیة، كالموصلیة والبغدادیة والبصراویة، ناھیك عن البدویة. ورغم ھذه التنوعات في اللكنات، فإن
العراقیین یتخذون من اللھجة البغدادیة ملاذا نفسیا. فإذا صادفك إبن الموصل في بغداد، سیتحدث إلیك بالبغدادیة
قدر الإمكان. ولكن تبقى الفصیحة ھي اللغة المؤسساتیة المشتركة في الإدارة والصحافة والتعلیم. المشكلة
الحقیقیة لا تكمن في الأرمنیة والتركمانیة، وإنما في الكردیة والسریانیة، وأقلھا في المندائیة (إحدى اللھجات
الآرامیة) التي تتخذ من لھجة "الرطنة" لغة كلام. وھي مزیج من الكلاسیكیة والفارسیة والعربیة (أنظر معجم
المفردات المندائیة في العامیة العراقیة الذي صدر في ألمانیا سنة ٢٠٠٨ عن مؤلفھ الدكتور قیس مغشغش
السعدي ویحتوي على ١٢٥٠ مفردة). اللغة الكردیة الرسمیة في كردستان ھي اللھجة السورانیة، وھي لغة
التعلیم والإدارة، وأھل السلیمانیة بالتحدید ھم خیر من یمثل ھذه اللھجة، في حین أن البھدنانیة (أو البھدینیة)
ھي لھجة الكورد القاطنین في دھوك وضواحیھا. وبالمقارنة التاریخیة الثقافیة فأن السورانیة كان لدیھا الید
الطولى دائما. والكتابات فیھا خیر دلیل على ذلك. ولكن یبقى السؤال مطروحا: ھل سترى البھدنانیة عصرا
ذھبیا في العقود القادمة؟ سأترك الإجابة عى ھذا السؤال للمھتمین بالصراع اللغوي في كردستان لافتقاري إلى
المعلومات الوافیة. بقي أن نسأل: ھل اللھجة الكورانیة (الھورامیة) أو اللھجة الفیلیة أو لھجة الشبك أو الأیزیدیة
لغات كردیة مستقلة؟ سأترك الإجابة عن ھذا السؤال أیضا بسبب شحة الدراسات في ھذا الموضوع، ولكنني
سأخصص للسریانیة وإشكالاتھا بابا فیما تبقى من المقال لأنني أحد متكلمیھا.
یعلم اللغویون فیما یسمى بالسامیات جیدا أن السریانیة التي كانت مزدھرة لزھاء خمسة عشر قرنا حتى إعلان
العربیة لغة رسمیة في أغلب البلدان التي فتحھا المسلمون. فقد كانت الآرامیة-السریانیة لغة عالمیة، كاللغة
الانكلیزیة في یومنا ھذا، ویحدثنا الكاتب روفائیل بابو اسحق في مؤلفھ "مدارس العراق قبل الإسلام" عن
المعاھد الآرامیة- السریانیة التي تمیزت بتدریس العلوم الدینیة والعقلیة والأدبیة والریاضیة والاجنماعیة، ناھیك
عن دورھا المتمیز في نقل العلوم الیونانیة إلیھا وإلى العربیة في عصر المأمون بشكل خاص. وما "بیت
الحكمة" إلا دلیلا دامغا یتجاھلھ الكثیرون أو یشوھون صورتھ وصورة الھامات السریانیة الضالعة بھ. ونقلا
عن أحمد أمین في كتابھ "ضحى الإسلام"، یقول بأنھ كان للنصارى في ما بین النھرین نحو خمسین مدرسة
ألحقت بھا مكتبات متكاملة. ومھما ذھب إلیھ المؤرخون، فقد إعتنق الاسلام من اعتنق، واستعرب من
استعرب، وبقى ما تبقى من أصل قرابة ثلاثة ملایین في عراق الیوم بعد أن ھاجر أكثر من نصفھم إلى الغرب،
وما زال الأغلبیة یتكلمون بھا في المھجر. على أیة حال، استبشر العراقیون الغیارى خیرا في احیاء إرثھم،
اولئك الذین كان یطلق علیھم في حینھا ب "الأقلیات القومیة المتآخیة"، بقرار منح الحقوق الثقافیة لھم في
السبعینیات من القرن العشرین. وفي ضوء ھذا القرار تأسس "مجمع اللغة السریانیة" وشرع في تدریس ھذه
اللغة في المناطق التي یشكل سكانھا الأغلبیة من الناطقین بھا (أنظر غلاف الكتاب المقرر من وزارة التربیة
بأجزاءه الخمسة للصف الأول الابتدائي في أدناه، الصادر عن دار الحریة للطباعة سنة ١٩٧٤ ببغداد). وقد
أصبحت اللغة السریانیة فرعا في قسم اللغة العبریة بجامعة بغداد، ونقل إلیھ نفر من الطلاب المقبولین في
اختصاصات أخرى بالجامعة المستنصریة ضد رغبتھم. وبعدما تخرجوا، لم یجدوا وظیفة یمارسون فیھا
اختصاصھم. ولم تدم ھذه الحالة المتقدمة في شأن الأقلیات طویلا، فقد ألغي المجمع السریاني وصار مجرد
ھیئة خاملة ومھمشة ومسیسة ضمن ھیئات المجمع العلمي العراقي الذي كان صدیقي الأب الدكتور یوسف
حبي، رحمھ الله، عضوا فیھا.
ومنذ عام ١٩٩٢ ، بدأت الأمور تعود إلى مجاریھا، ولكن ھذه المرة من كردستان وفي كردستان بالتحدید. وفي
سنة ٢٠٠٤ ، انقشعت الغیوم تماما لتطل علینا السریانیة بحلة جدیدة. انتشرت عشرات المدارس في قصبات
ذات كثافة سكانیة سریانیة في شمال العراق، وتخرج منھا طلبة بتفوق والتحقوا بالجامعات، وأصبح للسریانیة
قسم علمي مستقل عن العبریة، كما ھو الحال بالنسبة إلى الكردیة، في كلیة اللغات بجامعة بغداد، لیملأ طابقھا
الثالث بھبات عینیة، كأجھزة حاسوب مثلا، من جھات مختلفة، ولتتخرج من ھذا القسم كوكبة ثانیة من الطلبة
( وھن ست طالبات فقط). ولكن مع كل ھذه الجوانب المشرقة، لاتزال اشكالیة التعلیم أمرا یؤرق القائمین على
التعلیم وأھالي الطلبة والطلبة أنفسھم. ونحصر أھم المشاكل بالتالي:
١. الخط: على التلمیذ في الدراسة الابتدائیة تعلم الخطین الشرقي والغربي. وھذا ما كان موجود فعلا في
الكتاب المقرر المعروض غلافھ في أدناه. وھذا یسري على طلبة الجامعة حالیا، وإن كان حجم المشكلة
أقل ھولا بالنسبة لھم لأن الأدبیات المتوفرة في المكتبات، ومن بینھا المخطوطات التي لا حصر لھا
والمتوفرة في أقبیة الكنائس والأدیرة، منقوشة بالخطین.
٢. اللھجة: كما أسلفنا آنفا، فأن اللھجات تشكل صراعا من أجل البقاء والسیطرة. وھي تخضع لأیدیولوجیات
قومیة فرعیة متأصلة في نفس الأقوام. لذلك قد یتقاطع الأنتماء الطائفي والممارسة الشخصیة مع الوحدة
القومیة، بقصد أو بغیر قصد. وعلیھ ستكون اللھجة عائقا بالنسبة للمعلم والطالب.
٣. البقعة الجغرافیة: ینتشر السریان، كما ھو الحال بالنسبة للقومیات الأخرى، في أرجاء العراق. ولو فتحنا
مدارس بالكردیة أو السریانیة أو أیة لغة قومیة أخرى في بغداد أو البصرة مثلا، لن یكون ھنالك اقبال
علیھا بسبب سیادة العربیة، من جھة، وتخلي الكثیرین من العوائل العراقیة التي نزحت إلى بغداد أو
البصرة بعد نھایة الحرب العالمیة الثانیة عن لغاتھا القومیة. وأھل بلدة تلكیف، شمال الموصل، خیر دلیل
على ذلك. وبنظرة بسیطة إلى سجل الأحوال المدنیة، سترى أن أغلب الأسماء باتت عربیة في حضرة
التبریرات المنطقیة التي لا مجال لذكرھا ھنا. ویضاف إلى ذلك سبب مھم جدا، الا وھو التنافس على
المقاعد الجامعیة (أنظر"تأثیرات الواقع في تعثر تعلیم السریانیة" المنشورة على موقع: شبكة النبأ
٢٠٠٨ ). ففي ظل ھذا الواقع، أي عائلة سترسل أبناءھا وبناتھا /١/ المعلوماتیة في عددھا الصادر یوم ١٢
إلى مدارس سریانیة أو كردیة أو تركمانیة في الوقت الذي لا یعرف الأبوان سوى لغة المشافھة؟ وبما أن
الأھل یعینون أولادھم وبناتھم في الواجبات البیتیة، كما ھو الحال بالنسبة إلى العربیة عادة، فھل نعكس
المعادلة لیعلم الأولاد والبنات ذویھم كتابة وقراءة السریانیة؟
٤. الكادر التدریسي: إذا كان ھنالك نقص حاد في الكادر التدریسي المؤھل ضمن مناطق تواجد السریان
بكثافة في محاقظة دھوك، بشكل خاص، والقصبات المتناثرة في شمال العراق، فكیف بالنسبة إلى بغداد أو
البصرة، أو حتى مؤسسات التعلیم العالي؟ وقد یندھش القارىء لو قلنا بأن الكثیرین ممن یدرس السریانیة
حالیا ھو من غیر الناطقین بھا، وإنما ممن اشترك بدورة في اللغة السریانیة لیقتات منھا.
لن أضیف الى ھذه القائمة أكثر مما ورد فیھا، لأنھا تقصم ظھر البعیر، ولیس بمقدوري أن اقترح دواء سحریا
في ضوء ما یجري على الساحة العراقیة، وبسبب الھجرة المتنامیة للسریان، ولكن الغریق یتعلق بقشة، كما
یقول المثل. وربما كان فسم اللغة السریانیة بجامعة بغداد والدائرة السریانیة في المجمع العلمي خیر مكانین
لزیادة الوعي لدى الناطقین وغیر الناطقین بالسریانیة على حد سواء، ولاستقطاب باحثین من جامعات العالم
وتبادل الزیارات مع ھذه الجامعات وعقد المؤتمرات اللغویة والحضاریة، وإقامة دورات مجانیة في اللغة
السریانیة لجمیع العراقیین والتذكیر بأجدادھم القدماء، وما إلى ذلك من نشاطات إعلامیة مكثفة بدعم لا محدود
من كل الأطراف، وأھمھا مركز القرار في الدولة العراقیة الاتحادیة وأفلیم كردستان.
والمضحك المبكي في كل ما تقدم، أن الفقیر كاتب المقال ھذا یتكلم السریانیة ولكنھ یجھل القراءة والكتابة
بالسریانیة، رغم أن تخصصھ علم اللغة!

٢٠٠٩ /٥/ الأردن في ٢١